محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
737
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
في المؤمنين وقد تجتمع في مؤمن واحد هذه الأوصاف كلّها ، وذلك كلّه تفسير البرّ ، وهو : صدق القول والعمل ، واستواء السرّ والعلانية ، وحسن النيّة والقصد . الأسرار قال من رأى البرّ في الإيمان وخصائص الإيمان : إنّ الأبرار لفي وفاق كما أنّ الفجّار لفي شقاق ، وليس البرّ في الاختلاف حتّى يتوجّه واحد إلى المشرق وواحد إلى مغرب متضادّين متخاصمين ، ولكن البرّ في الاتّفاق حتّى يتوجّه الكلّ إلى جهة واحدة وهي الكلمة الواحدة والدين الواحد والشريعة الواحدة . ثمّ قد يتّحد الفاعل بالفعل حتّى يسمّى الفاعل باسم الفعل ، فيقال البرّ بعينه هو البرّ ، كما يقال العدل بعينه هو العادل وكذلك قوله : الْبِرَّ مَنِ اتَّقى . وسرّ آخر : عدّ خصال الأبرار وحصرها في الإيمان باللّه واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين ، وإيتاء المال لذوي الحاجة ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والإيفاء بالعهد ، والصبر في البأساء والضرّاء ، وهي عشر خصال خمس منها أصول الدين وخمس منها فروع الشريعة بل هي أصول الفروع ؛ فالخمس التي هي أصول الدين مذكور فيها المبدأ والمعاد والخلق والأمر ومتوسّطو الخلق ومتوسّطوا الأمر ( 302 آ ) . فالإيمان باللّه هو التصديق له بالتوحيد ونفي الأنداد ، وفيه معنى قوله : لا إله إلا اللّه ولا خالق غير اللّه ولا آمر سوى اللّه ؛ والإيمان باليوم الآخر هو التصديق له بالمعاد وأنّه يحيي الموتى من العباد لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ؛ فإنّ من لا كمال له فلا مبدأ له ، ومن لا سؤال عليه غدا فلا حكم عليه اليوم ، ومن لا جزاء له في اليوم الآخر فلا تكليف عليه اليوم ؛ ولمّا كان التكليف بالأمر والنهي حاصلا في العاجل كان الجزاء بالوعد والوعيد حاصلا في الآجل ، وهو السرّ في اقتران الكلمتين : الإيمان باللّه واليوم الآخر . ثمّ لمّا كان الخلق كلّه له تعالى كان الأمر كلّه له ، ولمّا كان في الخلق متوسّطون من أسباب التقدير وهم الملائكة كان في الأمر متوسّطون من أسباب التكليف وهم الأنبياء - عليهم السلام - وكانت الكتب المنزّلة بيّنات لهم في تبليغ رسالاته إلى عباده وبيان أحكامه على حركاتهم الفكرية والقولية والعملية .